الأحد، ديسمبر ٢٨، ٢٠٠٨

فكرة

غريب ٌ ألا تتخلص من مللك الشديد رغم أن الشكل العام لحياتك قد تغير فجأة على نحو مفجع .. لا توجد قطعة في مكانها .. لا يوجد شعور في موضعه، ولا ظن في محله .. تخطىء كل تخميناتك كأنك تتعمد توقع أشياءاً لا معقولة أو لا منطقية ! بالتأكيد ليس ثمة مؤامرة كما قد يحلو لك أن تظن في اللحظات التي تشتهي فيها رثاء نفسك .. لكن هذا لا يمنع أن كم الحماقات التي ترتكبها عن جهل بما هو كائن حولك .. صار يثير جنونك. حسناً ربما يفسر هذا أيضا مللك القاتل، فربما أنت فقط تمل حماقاتك المتكررة.

عندما تعبر الشارع فجأة ـ لأن الشوارع لا تُعبر إلا فجأة كما قال الاسكندر الأكبر قبل وفاته ـ و تصل للطرف الآخر سليماً و ترى الدهشة و بعض الاحتقار في عيون المنتظرين .. ثم تكتشف أن مبدأ البقاء للأسرع غير معمول به في هذا البلد و أن شرطي المرور يطالبك بما يعادل مائة و خمسين جنيهاً لأنك كسرت الإشارة!!!! فلا تنكر أن في الموقف ما يُضحك. و عندما أن تقرر بمنتهى الجليطة أن تجلس في المقهى ـ طبعاً مقهى مختلف لا يوجد به عبمولى، ولا معسل، ولا طاولة ـ و تصر على تحدي الأقدار و حيداً فقط لأنك تستطيع أن تقول:

- إنتشولديجونج .. إيش موشتة آين بيلز بيته!
- جروس أودر كلاين؟
طبعاً توقعت أنت أنه سيتركك لحالك و يذهب ليحضر الطلب دون المزيد من الأسئلة التي ستكشف أنك لا تفقه من أمرك شيئاً سوى ما قلت! فتر كأنك لم تسمع :
- بيته؟؟
- موشتين زي آينس جروسس بير أودر كلاينس؟
- ....................................!
-؟؟
- إيش موشت آين بيلز بيته!!
- فريشته إيش، آبر إيش موشته فيسن، أوب زي آين جروسس أودر كلاينس بير موشتن!
- Do you speak English please?

و لأن النادل طيب القلب لحسن حظك .. يتواضع و يرد بالإنجليزية و على وجهه نظرة تقول (ما فيش مشاكل يا عم .. عندي أنا القهوة دي) .. فبالطبع هذا أمر شديد الطرافة.

أو عندما يبدأ أحدهم في قطار الأنفاق في تبادل أطراف الحديث معك بحميمية شديدة و تصر أنت ادعاء الفهم فقط لأنك فهمت أول جملة و هي غالباً ما تكون(Halo)، أي (هلو). ثم تبدأ بهز رأسك باموافقة تامة و ابتسامة رقيقة مؤمناً على كل ما يقول على طريقة هنيدي إلي أن يكشف أمرك لأن الرجل ببساطة سألك أكثر من خمسمائة سؤال لم ترد منها على شيء و اكتفيت بالابتسام .. حتى كاد الرجل في نهاية الموقف أن يضرب كفاً بكف .. و يستعيذ بالله من الغباء. ففي الأمر ما يضحك حتماً.

عندما تلبس (التريننج) الجديد الذي اشتراه لك أبوك من السعودية بعد رحلة العمرة ـ فقط لأنه لسبب ما يظنك رياضياً - و تخرج صباحاً لتجري في الشوارع على طريقة أحمد ذكي مردداً بلا ملل : اتقدم .. تا را را ! كما يفعل معظم سكان هذا البلد ـ رغم أنهم لا يعرفون أحمد ذكي! ـ عندما تمر الأيام بطيئة دون أن يجدك أحمد مظهر .. و تشعر انك ضحية عملية نصب كبيرة .. ففي الأمر ما يضحك.

عندا تفكر أنه طالما أنه لا يوجد احمد مظهر و أنك لن تكون النمر الأسود أو الفهد الوردي أو أي شيء و تبدأ في تخيل نفسك عائداً للإسكندرية بخفي حنين .. و يقودك تفكيرك ـ مجرد تفكيرك ـ لسعادة قاتلة! .. متخيلاً نفسك تصل الاسكندرية في الواحدة صباحاً في فبراير .. وحيداً .. بحقيبة وحيدة .. و تتجه لسور البحر أمام التجارية في الميناء الشرقي .. لتدخن الكليوباترا التي ابتعتها من الموقف الجديد .. و تكاد تقبل رصيف الشارع على طريقة سائقي الشاحنات العائدين من الكويت بعد الحرب .. عندما تقودك فكرة -مجرد فكرة- العودة، بلا أحزان ولا أمجاد، إلى تلك السعادة الغريبة .. فهذا بالتأكيد شيء مضحك. و عندما لا تختفي صورتك واقفاً وحيداً تدخن سيجارتك في الميناء الشرقي .. و تقبع الصورة أمام عينك لمدة أسابيع، حتى لتكاد أن تشم رائحة الهواء هناك مع علمك باستحالة رؤية نفسك هناك حقيقة قبل مرور سنين .. مما يجعل كل الدم في جسدك يحتشد في حلقك مسبباً ذلك الشعور الغير مضحك بالمرة. عندما تفكر بعد كل هذا التجديد و تلك الطرافة بمقدار ما تشعر به من ملل .. فاسمح لي أن أتهمك بعدم الإنصاف.