الاثنين، مارس ٣٠، ٢٠٠٩

غرفة اللَّعِب

وجدتني مرة أخرى في نفس الغرفة التي كدتُ أنساها، و التي ظننت أن أحداً لم يعد يعلم عنها أي شيء، أو يتصور حتى بقائها على حالها، تلك الحجرة التي لعبنا فيها جميعاً و بلا انقطاع لسنوات، فيها انضم إلينا من انضم، و رحل عنّا من رحل، و لكننا لدهشتنا الدائمة واصلنا اللعب. لم نتصور في البداية أن لعبتنا ستطول، نعرف أنا و رفاقي أنفسنا جيداً، نتحمس في لحظة، ليصيبنا الضجر في منتصف اللحظة التالية مما تحمسنا إليه. لهذا كان استمرارنا في اللعبة دليلاً على نجاحها و إدماننا. لا أذكر،كالعادة، اللحظة التي قررنا فيها التوقف عن اللعب. بالطبع لم يحدث هذا في نفس التوقيت بالنسبة لكل منّا .. و لكنه حدث، بلا سبب منطقي، كان أحدهم يغيب فجأة عن الغرفة، و تطول غيبته، و بلا سبب منطقي لم نكن نعلق أو نلاحظ أو حتى نهتم .. أتصور أن آخر لحظة شهدتها تلك الغرفة، أن أحدنا فجأة اكتشف أنه وحيدٌ تماماً، فقرر بدوره الذهاب. دعني أنوّه أنه من الممكن جداً أن تلعب وحدك .. و لن تصير اللعبة أقل إمتاعاً .. و لكنها تصبح مرهقة إلى حد كبير. بعد فترة طالت أو قصرت سيصيبك الملل حتماً و تقرر الذهاب. الغريب أنك لن تلعب وحدك أبداً، حتى و إن اشتهيت ذلك أحياناً .. هناك دوما من سيطرق باب الحجرة بأدب، أو يقتحمها كأن دخولها هو حق موروث له. و يشارك اللعب لفترة تطول أو تقصر. لكنك تزهد في اللعب بالرغم من ذلك. من الصعب أن تبدأ في شرح القواعد التي اعتدت عليها لكل من أراد مشاركتك اللعب .. خصوصاً و إن كان ينوي الذهاب سريعاً. يفقد التعليم جدواه هكذا.


وجدتني أقرع باب الغرفة بأدب شديد لم أعتده من نفسي، ثم أفتح الباب برفق و أدخل. كانوا هناك .. جالسين إلى نفس المنضدة .. كدتّ أصرخ متأثراً بجمال المفاجأة:"والله زمان يا اخواننا!" ولكن منعني مانعٌ لا أدريه. كانوا يلعبون بصمتٍ و حذر شديد، و بهجه مكبوتة لم تخف عليّ، لكنها بهجة يشوبها شيءٌ لا أستطيع تسميته .. شيءُ من العقل، أو الترقب، أو ربما الحزن! لا أدري. بهجةُ يشوبها شيءٌ من الحزن؟! جميلة جداً و شاعرية تلك البهجة التي يشوبها شيءُ من الحزن إن كنت تفهم ما أعني. كأنك تسترجع في مخيلتك أياماً سعيدة رحلت. المهم أنّهم كانوا يلعبون. استطعت أن أراهم في مخيلتي واحدٌ تلو الآخر .. يقرع باب الحجرة بأدب لم يعتده، ثم يفتح الباب برفق و يدخل. ربما يلقي سلاماً سريعاً و ربما لا يفعل. ثم يتخذ لنفسه مقعداً، و هو يبذل جهده كي لا يحدث أية ضوضاء تجعلهم يتكلمون. حسناً .. من الأفضل ألا نتكلم بعد فترة انقطاع طويلة .. دعونا نستمتع قليلاً في البداية، و ربما تكلمنا فيما بعد. اتخذت لنفسي مقعداً .. بدأت اللعب في صمت، أسعدني أني لاحظت ابتسامة على وجه الفتاة إلى يساري، ابتسامةً نجحت الفتاة في أن تجعلني ألاحظها دون أن تكسر هالة الصمت الرقيقة المحيطة بنا و التي تمنعنا من البدء في قتل أحدنا الآخر. فكلنا يحمل ذاكرة مثقلة و خنجرٌ صدىء قد يضعه في قلب أول من يبدأ الكلام. أدهشتني ابتسامتها أيضاً، هل نسيت؟ أنا لم أنسى فكيف تنسى هي.


وجدتي أتمنى في سري ألا يتكلم أحد، فقط لنستمتع قليلاً باللعب. إلي يميني يجلس رفيقي الذي لا يكف أبدأً عن تلك الحركة العصبية .. حيث يلوح بيده أمام وجهه كل دقيقتين، كأنه يطرد حشرة مزعجة، أو يبعد فكرة لا يحبها عن رأسه. إلي أمامي يجلس رفيقٌ لا يحبني، ولا يكف عن إشعال السجائر بقداحته الفضية. و إلى يساري الفتاة التي تبتسم بارتباك، كلما تلاقت أعيننا، كأنها نسيت كل ما قد كان. لم أدرِ كم من الوقت قطعناه في اللعب. و لكنني استمتعت تماماً، برغم ابتسامات الفتاة. و حركة رفيقي العصبية، و قداحة الآخر الفضية ذات الصوت المعدني الملفت. استمتعت أيضاً رغم لحظات التفكير التي طالت لأيام في بعض الأحيان. و لكنك تغفرها حتماً حين تتبعها لعبةٌ جيدة. يدخل أحدهم بين الحين و الآخر ليلقي السلام على احدنا .. فيرد بحماس يعادل حماس الوافد أو يفوقه. ثم يجلس فيعاود اللعب بلا كلمة واحدة، و بلا تعليق من أحدنا.


وجدتني أتململ في جلستي، و أفكر أن أبدأ في الكلام، لابد أن أفعل .. لكنني أخاف. كنت أغير وضع جلستي، من مستند إلى ظهر المقعد أو مرتفق للمائدة. أو مبتسماً في بعض الأحيان للفتاة، أو لرفيقيّ الآخرين إن أتى أحدهما بلعبة جيدة جديدة. كنت أقيس مقدار ما تحدثه حركاتي تلك من تغير في جو الغرفة، أعني،جو اللعب. و برغم استمتاعي الشديد قررت أنني في لحظة ما سأتكلم، مضحياً بجمال اللعبة و غموضها المثير. لا بد و أن أقل شيئاً:"و الله واحشاني القعدة دي من زمان يا اخواننا" أو مثلاً:"مش يبقى أحسن برضو لو نحاول نبقى نلعب أكتر بعد كدة؟"، فقط أي شيء لأكسر تلك الحالة التي أتصور أنها توتر لم أعد أستطيع إدراك سببه الحقيقي.


لم أكمل أول كلمة .. ربما لم تتأتى لي الفرصة كي أبدأ أصلاً. في وقتٍ واحدٍ يبدو أنه متفقٌ عليه، أو ربما كانت إشارة البدء هي شروعي في الحديث، نهضوا معاً من أماكنهم .. ألقى كلٌ منهم علي ما استطاع من ذاكرة مثقلة قيدتني إلى مقعدي تماماً، و أخرج كل منهم ـ بلا رغبة كافية ـ خنجره الصدىء، و على أوجه الثلاثة نظرة كأنها اعتذار.

وجدتني أغلق باب الغرفة خلفي، و أخرج لليلةٍ مطيرة.